محمد أبو زهرة
570
زهرة التفاسير
الإدلاء إلى الحكام ، وقد وردت قراءة أبىّ بزيادة « لا » ، وهي أقرب إلى أن تكون تفسيرا ، ومهما يكن فإن النهى ثابت عن الإدلاء ، كالنهى عن الأكل ؛ لأنه ينته إلى أكل للمال بالباطل ، فالآية تنهى عن الأكل الظالم سواء أكان في ضمن التعامل الآثم بينكم ، أم كان بالاستعانة بالحكام ، بتضليل القضاء ، أو بتحويل الحاكم عن الإنصاف بسحت من المال يقدم . والإدلاء في أصله إلقاء الدلو في الماء ليحمل الماء إليه من البئر ، أو من حفرة فيها ماء ، ثم أطلق على إرسال أي شيء يأتي بما يفيد ، وأطلق على الذي يحتج على غيره ، أدلى بحجته لأنه أرسلها ، ليأخذ الحق من غيره ، ويقال أدلى بنسب إنما اتصل بالنسبة . ومعنى أدلى إلى الحكام بالمال ، أي أنهم يقدمونها للحكام الآثمين ، من نسقه الذين يجلسون في مناصب القضاء ، أو الحكام الذين يملكون العطاء والمنع ، أو يملكون القسمة بين الناس ، ومعنى الإدلاء بالمال على هذا تقديم المال لهؤلاء ليعدلوا بهم عن قسمة الحق إلى القسمة الضيزى التي تمنع الحق ، وتقرر الباطل . . . والرشوة لها صور شتى ، فمرة تكون بإعطاء المال لتحول من هو في منصب القضاء عن العدل ، أو بالإهداء ، أو بالضيافة ، أو بأداء الخدمات حلالها وحرامها ، أو بمقارضة الظلم ، كأن يظلم في قضية لمجلس في منصب القاضي ، ليظلم في قضيته وكل ذلك استخدام للمال ، أو ما يقوم مقامه من أداء أمور تقوم بمال أو لا تقوم بمال وفيها نفع واضح . هذا تفسير قوله تعالى : وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ أي أكلا متلبسا بالإثم ، وأنتم تعلمون أنه إثم ، لا حق لكم في أكله ، وهذا تأكيد لمعنى الإثم والظلم وأكل أموال الناس بالباطل ، ولقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لعن الله الراشي والمرتشى » « 1 » .
--> ( 1 ) « لعن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم الراشي والمرتشى » رواه الترمذي : الأحكام - ما جاء في الراشي والمرتشى في الحكم ( 1257 ) عن عبد الله بن عمرو ، وقال : حديث حسن صحيح ، كما رواه أبو داود ، وابن ماجة ، وأخرجه أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ( 6246 ) .